ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
110
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
الموت ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى اللّه ، وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم حكما فقال : قيسوا ما بين الأرض ، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له ، فقاسوه فوجدوه بشبر أدنى إلى الأرض التي أراد ، فقبضته ملائكة الرحمة . وذكر الشيخ جمال الدين بن مطهر الحلي « ره » هذا الخبر في تحريره بلفظ آخر ، قال من طريق الجمهور : أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : إن رجلا قتل مائة رجل ظلما ثم سأل هل له من توبة ؟ فدل على عالم فسأله فقال : ومن يحول بينك وبين التوبة ، ولكن اخرج من قرية السوء إلى القرية الصالحة فاعبد اللّه فيها ، فخرج تائبا فأدركه الموت في الطريق ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب « 1 » ، فبعث اللّه إليهم ملكا فقال : قيسوا ما بين القريتين ، فإلى أيهما كان أقرب فاجعلوه من أهلها ، فوجدوه أقرب إلى الصالحة بشبر فجعلوه من أهلها . وحكي أن رجلا عبد اللّه سبعين سنة ، فبينما هو في معبده ذات ليلة إذ وقعت به امرأة جميلة فسألته أن يفتح لها ، وكانت ليلة شاتية فلم يلتفت إلى كلامها وأقبل على عبادته فولت المرأة ، فنظر إليها فملكت قلبه وسلبت لبّه ، فترك العبادة وتبعها فقال لها : إلى أين ؟ فقالت : إلى حيث أريد . قال : هيهات ، صار المراد مريدا والأحرار عبيدا ، ثم جذبها فأدخلها إلى مكانه فأقامت عنده سبعة أيام ، فعند ذلك تفكر فيما كان فيه من العبادة وكيف باع عبادة سبعين سنة بسبع ليال معصية ، فبكى حتى غشي عليه ، فلما أفاق قالت له : يا هذا ، واللّه أنت ما عصيت اللّه مع غيري ، وأنا ما عصيت اللّه مع غيرك وإني أرى في وجهك أثر الصلاح ، فباللّه عليك إذا صالحك مولاك فاذكرني . قال : فخرج هاربا على وجهه فأواه الليل إلى خربة فيها عميان ، وكان بالقرب منهم راهب يبعث إليهم في كل ليلة بعشرة أرغفة ، فجاء غلام الراهب بالخبز فمد ذلك الرجل العاصي يده وأخذ رغيفا ، فبقي رجل منهم لم يأخذ شيئا . فقال : رغيفي ، قال الغلام : قد فرغت عليكم العشرة ، فقال : أبيت طاويا فبكى الرجل العاصي وناول الرغيف لصاحبه وقال لنفسه : أنا أحق أن أبيت طاويا لأني عاص وهذا مطيع فنام فاشتد به الجوع حتى أشرف على الهلاك فأمر اللّه ( تعالى ) ملك الموت بقبض روحه ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فقالت ملائكة الرحمة : هذا رجل فرّ من ذنبه وجاء
--> ( 1 ) - في نسخة : الغضب .